فرنسا
(المعلومات محدّثة حتى 27 أكتوبر 2026، والأحداث ما زالت جارية)
1. مقدمة
تشهد فرنسا منذ منتصف سبتمبر 2026 واحدة من أعنف موجات الاحتجاج في تاريخها الحديث. بدأت بغضب قطاعي من أسعار الوقود، ثم اتسعت إلى حراك اجتماعي وسياسي يضم طلاب الثانويات والجامعات والنقابات والسترات الصفراء. وبلغ التصعيد ذروته في 17 أكتوبر، حين تحولت مسيرات سلمية في معظمها إلى أعمال شغب ونهب وحرق. تعرض هذه الورقة الخلفية والتسلسل الزمني ورد الحكومة والتداعيات المحتملة.
2. الخلفية: الوقود وغلاء المعيشة
اندلعت الاحتجاجات في 15 سبتمبر 2026 بسبب ارتفاع أسعار الوقود. وارتبط الارتفاع بحصار مضيق هرمز في سياق الحرب على إيران وبتصعيد الحرب الأهلية اليمنية، فتجاوز سعر الديزل في فرنسا 2.37 يورو للتر، أي أقل بسنت واحد فقط من رقمه القياسي البالغ 2.38 يورو. Wikipedia
وشارك في الموجة الأولى قطاعات متنوعة. فقد ضمّت صيادين وشرطيين ومزارعين وعمال بناء وعمال طاقة وعاملين في القطاع الصحي وموظفين جامعيين. وبرز المشهد الرمزي للصيادين الذين حاصروا بقواربهم مينائي نيس وسيت، بينما أحرق آخرون إطارات وحمولات خشبية على الطرق المؤدية إلى مستودعات الوقود في فرنتينيان وفوس-سور-مير. WikipediaWikipedia
حاولت الحكومة احتواء الغضب سريعاً. ففي 16 سبتمبر أعلن رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو رفع دعم الوقود للقطاعات المتضررة إلى الحد الأقصى المسموح به أوروبياً حتى 31 ديسمبر، لكن هذا الدعم المحدود لم يوقف الاحتجاجات التي استؤنفت في اليوم التالي. وهذا يدل على أن المطالب تجاوزت سعر الوقود إلى شعور عام بتآكل القدرة الشرائية. Wikipedia
3. اتساع الحراك: الثانويات والجامعات والسترات الصفراء
لم تبقَ الحركة قطاعية طويلاً. شهد 6 أكتوبر يوم احتجاج كبيراً أُغلقت أو تعطلت فيه ما بين 900 و1800 ثانوية، وحوصرت أجزاء من جميع الجامعات في البر الفرنسي. وأضافت النقابات بُعداً عمالياً، إذ دعت نقابة "سي جي تي" عمال "توتال إنرجي" إلى الإضراب، مع حركة إضراب سارية في "إي دي إف" و"إنيديس" و"آر تي إي" حتى 31 ديسمبر 2026. connexionfranceconnexionfrance
وفي الوقت نفسه برز الحديث عن عودة "السترات الصفراء"، وهي الحركة التي بدأت عام 2018 احتجاجاً على ضريبة الوقود. وتُظهر الوقائع أن دعوات على وسائل التواصل حددت 17 أكتوبر موعداً لأول يوم تظاهر في ظل ارتفاع أسعار الوقود وأزمة تكاليف المعيشة. وقد التقت هذه الدعوات مع مطالب الطلاب والمعلمين والنقابات، فتشكل تحالف احتجاجي واسع وغير متجانس. connexionfrance
4. السابع عشر من أكتوبر: يوم العنف
قدّر وزير الداخلية لوران نونيز عدد المشاركين بنحو 550 ألف شخص في أنحاء البلاد، منهم 110 آلاف في باريس، بينما قال المنظمون إن العدد أكبر. وبدأ اليوم سلمياً في معظم المدن، لكن الوضع تغيّر مع حلول الليل. فقد نهبت مجموعات شبابية متاجر في باريس وأشعلت حرائق، ورد الأمن بالغاز المسيل للدموع والهراوات في الشوارع الضيقة. October 24, 2026 — Clashes in France after day of mostly peaceful protests +2
وكان أخطر مشاهد اليوم في ليموج، إذ أضرم محتجون النار في مبنى بلدية المدينة بإقليم أوت-فيين في نوفيل-أكيتين. وبحسب الحصيلة الرسمية التي أعلنها لوكورنو، اعتُقل 1200 شخص في أنحاء البلاد يوم 17 أكتوبر، وأُصيب 150 شرطياً. وفي كلمته إلى الأمة، أشار الرئيس إيمانويل ماكرون إلى ليلة من أعنف ليالي الاضطراب في السنوات الأخيرة، تخللها إحراق مبانٍ حكومية ومقتل شرطي ومحتج، وتعهد بأن يُحاسَب كل من أتلف الممتلكات أو شارك في الشغب بكامل قوة القانون. In pictures: More than 500,000 took to the streets as France protests erupted into violence +2
5. الرد الحكومي: الحظر وحظر التجول وإقرار بالتقصير
اعتمدت الحكومة مقاربة أمنية واضحة. بعد أحداث 17 أكتوبر فرضت مرسيليا وباريس حظر تجول، ومُنعت التظاهرات في مقاطعة بوش-دو-رون وفي ليون. ووعدت السلطات بحضور شرطي "كثيف" يوم السبت التالي وبحظر تجول محلي لليلة ثانية على التوالي. WikipediaCNN
واللافت أن لوكورنو أقرّ علناً بالقصور. فأمام نواب غاضبين في البرلمان اعترف بأن الاستجابة الأمنية لم تكن كافية، ووعد بنهج أقوى للموجة المقبلة، قائلاً إن الانتشار يوم السبت سيكون "ضخماً". كما اضطربت الأسواق المالية، إذ تراجعت بورصة باريس وسندات الحكومة يوم الاثنين. citizenahram
6. الفصل الثاني: 24 أكتوبر
أعلنت السترات الصفراء أن "الفصل الثاني" من الحراك سيُقام في 24 أكتوبر. وانتشر نحو 70 ألف عنصر أمن في أنحاء البلاد لمنع تكرار العنف. وتكشف الأرقام تبايناً بين المصادر وحذراً في قراءتها. WikipediaCNN
قدّرت المصادر المتاحة عدد الموقوفين بنحو ألف شخص، مقابل 385 موقوفاً في الأسبوع السابق بحسب ما نُقل عن الوزير. CNN
سارت المظاهرة الباريسية، وفق ما نُقل، من بورت ديتالي إلى بورت دو فنسان بمشاركة جان-لوك ميلانشون زعيم "فرنسا الأبية".
استُخدم الغاز المسيل للدموع في ثلاث مدن على الأقل، وتحوّل يوم السبت إلى العنف في مرسيليا. CNN
وفي المقابل، أشارت قراءات صحفية إلى أن حجم المشاركة تراجع بنحو النصف مقارنة بما سبق، وأن البلاد بدت أهدأ. ويحتاج هذا الاختلاف في التقديرات إلى حذر، فأرقام الداخلية والنقابات والمنظمين كثيراً ما تتباعد في فرنسا. connexionfrance
7. النقابات ومحطة 5 نوفمبر
رغم أن العنف طغى على الأخبار، لم تغب النقابات عن المشهد. التقى رئيس الوزراء ممثلي خمس نقابات لبحث الأمن وضمان حق التظاهر. لكن اللقاء لم يرضِ المحتجين. فقد خرجت النقابات منه خائبة وأعلنت تعبئة كبرى في 5 نوفمبر. وقالت سوفي بينيه الأمينة العامة لـ"سي جي تي" إن الوقت حان لرفع وتيرة التعبئة وإن الإضراب يجب أن يتصدر بدءاً من هذا التاريخ. وطالبت النقابة برفع الحد الأدنى للأجور وربط الرواتب بالتضخم وتوفير تمويل كافٍ للمدارس والخدمات العامة. French PM to meet unions as government prepares for more protests +2
8. البعد السياسي
يتقاطع الحراك مع مرحلة حساسة. يمر ماكرون بشهوره الأخيرة في المنصب، ويتنافس خلفاؤه المحتملون من أقصى اليسار وأقصى اليمين على انتخابات أبريل-مايو، وليس لديهم رغبة تُذكر في التعاون مع حكومته. ومن ثم تجد الحكومة نفسها بلا غطاء سياسي كافٍ لتقديم تنازلات كبيرة. وفي المقابل، ينتقد خصومها غياب الاستعداد، كما فعل رفائيل غلوكسمان الذي وصف الحكومة بأنها تفتقر إلى الجاهزية في مواجهة أزمة تكاليف المعيشة. kuwaittimesWikipedia
9. قراءة تحليلية: سيناريوهات المرحلة المقبلة
هذا القسم تقدير تحليلي وليس خبراً منسوباً إلى مصدر.
تهدئة مشروطة: إذا وسّعت الحكومة الدعم الاجتماعي وقدمت تنازلات في الأجور، قد يتراجع الزخم الشبابي ويبقى الحراك نقابياً منظماً.
تصعيد نقابي: قد يتحول 5 نوفمبر إلى إضراب ممتد، وهو سيناريو مألوف في فرنسا بعد حراك 2023 ضد إصلاح المعاشات.
عودة العنف: يبقى هذا الاحتمال قائماً ما دام الغضب الاقتصادي بلا استجابة ملموسة، وما دامت الأرقام الأمنية القياسية تعكس هشاشة الوضع.
وتبقى متغيرات كثيرة خارج السيطرة الفرنسية، وأهمها مسار حرب إيران وأسعار الطاقة.
10. خاتمة
انتقلت فرنسا في أسابيع قليلة من احتجاج قطاعي على الوقود إلى أزمة وطنية متعددة الأبعاد: اقتصادية واجتماعية وأمنية وسياسية. وبين قبضة أمنية مشددة ومطالب معيشية لم تُلبَّ، يتجه الفصل التالي إلى الخامس من نوفمبر.
المصادر: