(الجزء الأول)
سيهام الخريبكية رحلة من مدينة خريبكة إلى عالم العيطة الزعرية
العيطة المغربية.. تراث يروي تاريخ الناس
يُعد فن العيطة من أعرق الفنون الشفوية في المملكة المغربية، وهو لون غنائي ارتبط بالإنسان المغربي منذ قرون طويلة، حتى أصبح جزءًا من هويته الثقافية والتراثية. وكلمة "العيطة" في اللغة الدارجة المغربية تعني النداء أو الصرخة، لكنها في بعدها الفني تحمل معاني أوسع، إذ كانت وسيلة للتعبير عن الفرح والحزن، وسرد الوقائع التاريخية، ونقل قصص الحب والوفاء والشجاعة، كما واكبت حياة القبائل والمجتمعات القروية في مختلف مناطق المغرب.
ولم يكن هذا الفن مجرد وسيلة للترفيه، بل كان مدرسة حقيقية لحفظ الذاكرة الشعبية، إذ تناقل الفنانون والشيخات نصوصه وألحانه شفهيًا عبر الأجيال، فبقي حاضرًا رغم تغير الأزمنة وتطور وسائل التعبير الفني. ولهذا ينظر الباحثون إلى العيطة باعتبارها أحد أهم الكنوز الثقافية المغربية التي تستحق التوثيق والحفاظ عليها.
ومن بين المدارس التي اشتهرت داخل هذا الفن العريق: العيطة المرساوية، والعيطة الحصباوية، والعيطة الحوزية، والعيطة الجبلية، والعيطة الزعرية، ولكل مدرسة خصوصياتها من حيث الإيقاع والكلمات وطريقة الأداء، لكنها جميعًا تلتقي في هدف واحد، وهو الحفاظ على روح التراث الشعبي المغربي.
مدينة خريبكة... أرض الفن الشعبي
حين يُذكر الفن الشعبي المغربي، تحضر مدينة خريبكة باعتبارها واحدة من المدن التي ساهمت في احتضان العديد من الأصوات الفنية التي اختارت الحفاظ على أصالة العيطة والأغنية الشعبية. فقد عرفت المدينة عبر عقود طويلة بتنظيم السهرات والمناسبات الشعبية التي كانت فضاءً لاكتشاف المواهب وصقلها.
وفي هذا الوسط الفني نشأت الفنانة سيهام الخريبكية، التي حملت اسم مدينتها ليصبح جزءًا من هويتها الفنية، فارتبط اسمها بخريبكة كما ارتبط صوتها بفن العيطة الزعرية.
بداية الحلم
ووفقًا للسيرة التي قدمتها الفنانة في أحد اللقاءات المصورة، وُلدت سيهام الخريبكية سنة 1985 بمدينة خريبكة، وفي أجواء يغلب عليها حضور الأغنية الشعبية المغربية، بدأ شغفها بهذا الفن منذ طفولتها.
ولم يكن دخولها إلى عالم الفن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة حبها للعيطة ورغبتها في تعلم أصولها واحترام تقاليدها. وتذكر الفنانة أن بدايتها الفعلية كانت سنة 1997، وهي لا تزال في سن مبكرة، حيث انضمت إلى عدد من المجموعات الفنية الشعبية التي كانت تنشط في مدينتي خريبكة والدار البيضاء.
وقد شكلت هذه المرحلة نقطة تحول مهمة في حياتها، لأنها مكنتها من الاحتكاك بفنانين ذوي تجربة طويلة في الأغنية الشعبية، والتعرف عن قرب على أسرار الأداء فوق الخشبة، وكيفية التعامل مع الجمهور، وأصول تقديم العيطة بأسلوب يحافظ على أصالتها.
مدرسة العيطة... بداية التكوين الحقيقي
ترى سيهام الخريبكية أن الفنان لا يمكن أن ينجح في هذا اللون الغنائي إلا إذا مر عبر ما يُعرف بين أهل الفن بـ"مدرسة العيطة". فإتقان هذا الفن لا يقتصر على امتلاك صوت جميل، بل يحتاج إلى معرفة دقيقة بالمقامات والإيقاعات والكلمات التراثية، وإلى القدرة على نقل الإحساس الذي تحمله نصوص العيطة إلى المستمع.
ولهذا حرصت، منذ بداياتها، على التعلم من الفنانين ذوي الخبرة، والاستفادة من التجارب التي سبقتها، حتى استطاعت أن تبني شخصيتها الفنية تدريجيًا، دون أن تبتعد عن روح التراث الذي تؤمن بأهميته.
صوت يحمل هوية التراث
تميزت سيهام الخريبكية منذ انطلاقتها بحرصها على تقديم العيطة بأسلوب يحترم الموروث الشعبي، مع لمسة أدائية خاصة ميزتها عن غيرها من الأصوات النسائية. وقد ساعدها ذلك على كسب احترام جمهور الفن الشعبي، خاصة من محبي العيطة الزعرية الذين وجدوا في صوتها امتدادًا لهذا اللون الغنائي الأصيل.
ومع مرور السنوات، بدأت مشاركاتها الفنية تتوسع، وأصبحت من الأسماء التي تُدعى لإحياء الحفلات والسهرات الشعبية، لتبدأ رحلة فنية ستقودها لاحقًا إلى جمهور داخل المغرب وخارجه.
بداية مسيرة طويلة
لم تكن السنوات الأولى سهلة، لكنها كانت حاسمة في بناء شخصية الفنانة سيهام الخريبكية. فمن خلال العمل المستمر والتعلم الميداني، استطاعت أن ترسخ حضورها في الساحة الفنية، وأن تضع الأسس لمسيرة امتدت لسنوات، أثمرت فيما بعد أعمالًا غنائية وجولات فنية داخل المغرب وخارجه.
وفي الجزء الثاني من هذه السلسلة، سنتعرف على العيطة الزعرية، وخصائصها الفنية، وكيف أصبحت سيهام الخريبكية واحدة من أبرز الأصوات النسائية التي ارتبط اسمها بهذا اللون من التراث الشعبي المغربي.
تنويه: المعلومات المتعلقة بالسيرة الذاتية للفنانة في هذا المقال مستندة إلى التصريحات والسيرة التي قدمتها الفنانة سيهام الخريبكية في اللقاء المصور الذي أشار إليه صاحب المدونة، بينما تستند المعلومات الخاصة بفن العيطة إلى المراجع العامة المتداولة حول التراث الموسيقي المغربي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. وشكرا على التعليق